ظل القطاع المصرفي المصري صامدًا أمام أزمات اقتصادية متتالية خلال السنوات الماضية، لكن ارتفاع أرباح البنوك مؤخرًا يعيد طرح ملف خصخصة المؤسسات المصرفية المملوكة للدولة. ويتناول نيل فورد، الكاتب في «أفريكان بيزنس»، فرص استئناف هذا المسار في ظل ضغوط الإصلاح الاقتصادي، ودور صندوق النقد الدولي والمستثمرين الأجانب في دفع الحكومة المصرية نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد.

 

اتسم القطاع المصرفي المصري بالمرونة أكثر من الديناميكية خلال معظم السنوات الـ15 الماضية. فقد دفعت ثورات الربيع العربي وجائحة كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا معدلات التضخم إلى الارتفاع، وتسببت في نقص مزمن بالعملات الأجنبية، ما أجبر البنوك على التركيز على الصمود بدلًا من التخطيط طويل الأجل.


لكن بعد فترة أخرى صعبة بلغت ذروتها مع تحرير سعر الصرف في مارس 2024 وتجدد دعم صندوق النقد الدولي، خرجت البنوك المصرية من هذه المرحلة في حالة مالية أقوى مما كان متوقعًا.


وتؤكد نتائج الربع الأول من عام 2026 حجم التحسن في أرباح القطاع. ووفقًا للبنك المركزي المصري، حققت البنوك العاملة في البلاد صافي أرباح مجمعة بلغ 218.41 مليار جنيه، بما يعادل 4.4 مليار دولار، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو أعلى صافي أرباح يسجله القطاع المصرفي المصري في ربع أول على الإطلاق.


وبلغ صافي دخل الفائدة 284.47 مليار جنيه، فيما وصل إجمالي صافي الدخل التشغيلي إلى 306.12 مليار جنيه، في ظل استفادة البنوك من أسعار الفائدة المرتفعة، وزيادة أعداد العملاء، وتحسن بيئة التشغيل.


وتشير هذه الأرقام إلى أن البنوك بدأت تستفيد من الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة. فقد أدى تحرير سعر الصرف إلى القضاء إلى حد كبير على النقص الحاد في العملات الأجنبية الذي ضرب الاقتصاد خلال عام 2023 وبداية 2024، بينما عزز الدعم متعدد الأطراف وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك الاستثمارات الخليجية، الثقة في النظام المالي.


ورغم ذلك، لا يزال التضخم مرتفعًا، إذ سجل 14.3% في يونيو، وهو مستوى يتجاوز النطاق المستهدف طويل الأجل للبنك المركزي والبالغ 5% إلى 9%، لكنه استقر نسبيًا منذ خفض قيمة الجنيه.


وتفرض أكبر البنوك المصرية حضورًا مهيمنًا ومتزايدًا في القطاع، وعلى رأسها البنك الأهلي المصري وبنك مصر المملوكان للدولة. ويستفيد البنكان من شبكتي فروع ضخمتين تضم الأولى 635 فرعًا والثانية 850 فرعًا، إلى جانب علاقاتهما الواسعة بجهات صرف الرواتب.


وتضم قائمة أكبر خمسة بنوك في البلاد كذلك ثلاثة بنوك مدرجة، هي البنك التجاري الدولي، وبنك قطر الوطني الأهلي مصر، وبنك القاهرة.


وقد تعود قوة البنوك الكبرى إلى امتلاكها الموارد المالية اللازمة للاستثمار بكثافة في الخدمات المصرفية الرقمية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إلى جانب استفادتها من علاقات طويلة الأمد مع أكبر المقترضين من الشركات والمؤسسات العامة. وسجل البنك التجاري الدولي، على سبيل المثال، صافي دخل قدره 17.8 مليار جنيه في الربع الأول، بزيادة 7% على أساس سنوي، بينما ارتفع صافي دخل بنك قطر الوطني الأهلي مصر بنسبة 33%.


وفي المقابل، تواجه البنوك الأصغر ضغوطًا أكبر، إذ تحتاج إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لمنافسة مؤسسات تمتلك موارد مالية تفوقها بكثير.


ولذلك، قد يصبح توحيد القطاع أكثر ترجيحًا، سواء عبر الاندماجات أو الاستحواذات أو الشراكات الاستراتيجية، ما قد يؤدي إلى قطاع مصرفي أقوى من الناحية المالية، لكنه في الوقت نفسه أكثر تركيزًا وأقل تنوعًا.


وساعدت استراتيجية الشمول المالي التي يتبناها البنك المركزي المصري على توسيع قاعدة مستخدمي الخدمات المصرفية، إذ ارتفع عدد المصريين الذين يمتلكون أي شكل من أشكال الحسابات المصرفية من 17.1 مليون شخص عام 2016 إلى 53.8 مليونًا في منتصف 2025، وفق بيانات البنك المركزي.


ويرتبط جانب كبير من الطفرة الحالية ببيئة أسعار الفائدة المرتفعة بصورة استثنائية. فقد حافظ البنك المركزي على سياسة نقدية تقييدية خلال معظم أزمة التضخم، ما جعل الإقراض أكثر ربحية، لكن استمرار الأرباح عند مستوياتها الحالية قد يصبح أكثر صعوبة مع تغير الظروف النقدية.


ومع تراجع التضخم، يُرجح أن تضيق هوامش الفائدة، ما سيدفع البنوك إلى البحث عن نمو أكبر في محافظ القروض، وزيادة إيرادات الرسوم والعمولات، وربما خفض النفقات التشغيلية للحفاظ على نمو الأرباح.


هل تعود خصخصة البنوك إلى الواجهة؟


يطرح التحسن الحالي في أرباح البنوك مجددًا ملف برنامج الخصخصة الحكومي الذي تأخر لسنوات. فقد أعلنت حكومات مصرية متعاقبة خططًا لبيع حصص في بنوك مملوكة للدولة، لكن الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية وظروف الأسواق حالت مرارًا دون تنفيذ هذه الخطط.


وكان البيع الجزئي لبنك الإسكندرية عام 2006 أبرز عملية خصخصة مصرفية جزئية أو كاملة في البلاد حتى عام 2024، بينما تأجلت محاولات متكررة لطرح بنك القاهرة في البورصة بسبب الأزمة المالية العالمية وثورة 2011 وأزمة العملات الأجنبية الأخيرة.


وجاءت أبرز إشارة إلى عودة هذا المسار مع الطرح العام الأولي لحصة قدرها 30% من المصرف المتحد. وكان البنك، الخاضع لسيطرة البنك المركزي المصري منذ عام 2006، قد أُدرج في البورصة المصرية أواخر عام 2024 بعد سنوات من التحضير.

واجتذب الطرح طلبًا كبيرًا من المستثمرين الأفراد، بينما عكس اهتمام المؤسسات المالية تحسن ثقتها في الأصول المصرية بعد تحرير سعر الصرف.


وأظهر ذلك استعداد مستثمرين محليين ودوليين لشراء أسهم في البنوك المصرية عند مستويات سعرية يرونها مناسبة، بالتزامن مع الإصلاحات الاقتصادية الجارية.


ويرى التقرير أن ارتفاع أرباح البنوك، إلى جانب تحسن الاستقرار الاقتصادي الكلي وضغوط المؤسسات المالية الدولية، قد يدفع صناع السياسات إلى إعادة تحريك برنامج الخصخصة.


لكن ارتفاع الأرباح لا يعني بالضرورة أن البيع سيكون في مصلحة الدولة أو الاقتصاد، كما أن جاذبية البنوك للمستثمرين لا تحسم الجدل حول تبعات نقل ملكية مؤسسات مالية مملوكة للدولة إلى القطاع الخاص. وسيظل تقييم هذه الخطوة مرتبطًا بسعر البيع، وحجم الحصة المطروحة، والآثار المترتبة على ملكية الدولة للقطاع المصرفي.


ويأتي التركيز على البنوك ضمن مسار أوسع لزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري. وبموجب الاتفاقات المبرمة مع صندوق النقد الدولي، تعهدت القاهرة بخفض حضور الدولة في قطاعات اقتصادية عديدة وتشجيع المنافسة، بما يشمل الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والتأمين والخدمات المالية.


وتستهدف الحكومة من عمليات التخارج توفير موارد بالعملة الأجنبية، وتحسين حوكمة الشركات، وجذب مستثمرين استراتيجيين، وتعميق أسواق رأس المال. لكن بيع البنوك المملوكة للدولة يختلف عن التخارج من الأصول ضعيفة الأداء، نظرًا إلى أن عددًا من هذه البنوك يحقق أرباحًا قوية ويتمتع بمعدلات رسملة مرتفعة.


ويأتي بنك القاهرة في مقدمة المؤسسات المرشحة للطرح. ويُعد البنك أكبر بكثير من المصرف المتحد، كما يمتلك واحدة من أكبر شبكات الفروع في مصر. وقد أعاد البنك تنظيم عملياته خلال السنوات الأخيرة لزيادة ربحيته وجعله أكثر قدرة على جذب المستثمرين.


وسجل بنك القاهرة في الربع الأول من 2026 ارتفاعًا في صافي الدخل بنسبة 16% إلى 4 مليارات جنيه، مع نمو عملياته في قطاعي الخدمات المصرفية للأفراد والشركات. كما ظل معدل كفاية رأس المال أعلى من 20%، متجاوزًا المتطلبات التنظيمية بفارق كبير.


وستذهب حصيلة أي عملية بيع إلى خزينة الدولة، كما ستعكس استمرار التزام الحكومة بالإصلاحات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي. ولم تُحدد بعد نسبة الحصة المطروحة أو سعر السهم، لكن كلا العاملين سيحظى باهتمام المستثمرين.


وكلما ارتفعت ربحية البنك، قلت الحاجة إلى بيع حصة كبيرة منه، ما قد يدفع الحكومة إلى المطالبة بسعر أعلى. وتبرز هنا معضلة أخرى: قد يؤدي الانتظار طويلًا إلى تدهور جديد في الأسواق المالية العالمية، بينما قد يؤدي الإسراع في البيع إلى التخلي عن جزء من القيمة المحتملة للأصل.


وقد تبيع الحكومة كذلك حصتها المتبقية البالغة 20% في بنك الإسكندرية، الذي تمتلك فيه مجموعة إنتيسا سان باولو الإيطالية حصة قدرها 80% منذ صفقة البيع التي جرت عام 2006.


كما يُطرح البنك العربي الأفريقي الدولي بصورة متكررة كمرشح محتمل للبيع الجزئي. وقد أسسه البنك المركزي المصري والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، ونجح في بناء واحدة من أكبر عمليات الخدمات المصرفية للشركات وتمويل التجارة في مصر.


وقد يجعل هيكل ملكية البنك العابر للحدود أي صفقة أكثر تعقيدًا من طرح عام أولي تقليدي، لكنه قد يجذب في المقابل مستثمرين دوليين يبحثون عن موطئ قدم في السوق المصرية عبر مؤسسة مصرفية إقليمية قائمة.


تزايد الرهان على خصخصة القطاع المصرفي


قد يتوقع المستثمرون أن يتعطل برنامج خصخصة البنوك مرة أخرى، لكن التقرير يرى عدة عوامل قد تدفع في الاتجاه المعاكس. فعلى الرغم من استمرار التحديات، يعمل سوق العملات الأجنبية بصورة طبيعية أكثر من أي وقت منذ عام 2022، وأصبحت الشركات قادرة على الحصول على العملات الأجنبية بسهولة أكبر، بينما تراجعت قيود الاستيراد وعادت الثقة تدريجيًا إلى الأسواق المالية المحلية.


كما أبدت القاهرة استعدادًا أكبر لتنفيذ الإصلاحات الصعبة سياسيًا التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، ومن بينها تحرير سعر الصرف وتشديد السياسة المالية.


واستثمر مستثمرون خليجيون، بينهم صناديق ثروة سيادية من السعودية وقطر والإمارات، مليارات الدولارات في مصر خلال السنوات الأخيرة، ولا يزالون ينظرون إلى البلاد باعتبارها سوقًا ذات أهمية استراتيجية.


وفي الوقت نفسه، تبدو البنوك المصرية في حالة مالية قوية، إذ سجلت أرباحًا قياسية وحافظت على نسب كفاية رأس مال مرتفعة وميزانيات عمومية آخذة في التوسع، كما أثبتت جودة الأصول قدرة أكبر على الصمود مما توقعه محللون كثيرون خلال أزمة العملة.


لكن هذه الظروف لا تلغي الأسئلة المتعلقة بتقييم البنوك، واتجاه أسعار الفائدة مستقبلًا، ومدى قدرة الأرباح الحالية على الاستمرار. وقد ينظر بعض المستثمرين إلى الأرباح المرتفعة باعتبارها ذروة لدورة أسعار الفائدة الحالية، وليس بداية مرحلة جديدة من النمو القوي والمستدام.


وعلى أساس معظم المؤشرات التقليدية، تحقق البنوك المصرية أداءً قويًا حاليًا. وتحافظ نسب كفاية رأس المال على مستويات تتجاوز الحد الأدنى التنظيمي، بينما تبقى السيولة مرتفعة، وتسجل الربحية مستويات قياسية، وأثبتت جودة الأصول قدرة أكبر على تحمل تداعيات أزمة العملة.


وعلى المدى الطويل، قد يجذب حجم السوق المصرية المستثمرين، إذ بلغ عدد السكان نحو 120 مليون نسمة، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع العدد إلى 202 مليون نسمة بحلول نهاية القرن.


لكن سببًا آخر يدعو إلى الحذر يتمثل في أن جزءًا كبيرًا من الأرباح المصرفية الأخيرة جاء نتيجة السياسة النقدية أكثر من النشاط المصرفي التقليدي. فقد حققت البنوك عوائد مرتفعة على الأوراق المالية الحكومية، مع الحفاظ على هوامش إقراض جيدة.


وإذا نجحت البنوك في توجيه جزء أكبر من السيولة بعيدًا عن الأوراق المالية الحكومية نحو إقراض القطاع الخاص المنتج، بما يشمل تمويل الأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فقد يصبح النمو الحالي أكثر استدامة مما يتوقعه المشككون. لكن تحقيق هذا التحول يحتاج إلى استمرار الثقة في الاقتصاد ككل.


وقد تؤدي الطروحات العامة الأولية الجديدة إلى تعميق أسواق رأس المال المصرية، لكنها ستضع كذلك سياسة التخارج الحكومي من الأصول المملوكة للدولة تحت اختبار جديد، خصوصًا في ظل اعتماد الحكومة على استمرار الدعم من صندوق النقد الدولي والشركاء الخليجيين وأسواق رأس المال الدولية.


وفي المقابل، قد تؤدي التأخيرات الجديدة إلى إعادة إحياء الانتقادات الموجهة إلى السياسات الاقتصادية السابقة، وتعزيز التصور بأن مصر لا تزال تواجه فجوة بين إعلان السياسات وتنفيذها فعليًا.


ويتوقف مستقبل القطاع المصرفي خلال السنوات الخمس المقبلة بدرجة كبيرة على قدرة النمو الاقتصادي على تعويض تقلص هوامش الفائدة، مع وجود مؤشرات تدعو إلى قدر من التفاؤل بشأن نمو النشاط الاقتصادي.


ويتوقع صندوق النقد الدولي تسارع نمو الاقتصاد المصري مع تطبيق إصلاحات الاقتصاد الكلي، كما يُرجح أن يرتفع الاستثمار الأجنبي بعد تحرير سعر الصرف، بينما قد ينتعش قطاع السياحة إذا شهدت الأوضاع الجيوسياسية قدرًا من الاستقرار.


وقد تولد مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق والاستثمارات الصناعية وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي طلبًا إضافيًا على التمويل. ورغم ذلك، سيظل مستقبل القطاع مرتبطًا ليس فقط بأداء البنوك، بل أيضًا بمسار الاقتصاد المصري والسياسات النقدية والمالية، وبالقرارات المتعلقة بملكية الدولة لأصوله المصرفية.

 

https://african.business/2026/09/african-banker/egyptian-banks-is-privatisation-finally-on-the-way